السيد كمال الحيدري

139

دروس في التوحيد

لكن ربما كان أهمّ ما يثار حول النظرية إشكالان ؛ أحدهما يذهب إلى أنّ هذا النمط من العلم الإلهي يستلزم الجبر في السلوك الإنساني ، لكي يأتي هذا السلوك متطابقاً دائماً مع العلم الإلهي ولا ينقلب إلى جهل . هذه مسألة سيأتي تحليلها تفصيلًا والإجابة عنها في مبحث التوحيد الأفعالي عند الحديث عن الفعل الإنساني ومن هو خالق الفعل ؛ أهو الله أم الإنسان ، أم أمر بين أمرين ؟ كما هي عليه أبرز نظريات ثلاث في هذا المجال . أمّا الإشكال الآخر فيتمثّل بما ذهبوا إليه من أنّ العلم بالجزئيات يلازم التغيّر في علمه سبحانه ، ومن ثمّ تكون الذات نفسها عرضة للتغيّر ؛ لما ثبت من أنّ علمه عين ذاته . توضيح ذلك : إنّ الله سبحانه يعلم الأمور بجميع جزئياتها وتفاصيلها ، سواء أكانت مجرّدة عن المادّة غير متغيّرة ، أم أموراً مادّية متغيّرة . وحيث نقول إنّ الله يعلم المتغيّرات ، يلزم من هذا العلم التغيّرُ في العلم ، ولمّا كانت هذه المعلومات عين ذاته ، يلزم من ذلك تغيّر في الذات . مثاله : إنّ زيداً حيّ الآن ، وبعد سنة يكون ميّتاً ، فإذا كان الله يعلم بتفاصيل حاله وما يطرأ عليه من تغيّر من حياة إلى موت ، أي يعلم هذا التغيّر ، فيلزم منه التغيّر في علمه سبحانه . وإذا قيل إنّه لا يعلم التفاصيل ، فهذا خلاف ما ثبت عقلًا ونقلًا من أنّه يعلم بكلّ شيء تفصيلًا . وإذا قيل إنّ الله يعلم أنّ زيداً حيّ ، لكنّه لا يعلم موته عندما يموت ، بل هو باقٍ على علمه بأنّ زيداً حيّ ، حتّى لا يقع التغيّر في العلم ، فإنّ علمه سبحانه ينقلب إلى جهل ، لأنّ زيداً حيّ في علمه ، وهذا لا يطابق الواقع لأنّ زيداً قد توفّي . بهذا العرض ينتهي الإشكال إلى ما يفيد أنّ العلم بالمتغيّر يلزم منه التغيّر في العلم ، وحيث إنّ هذا العلم قبل الإيجاد عين الذات ، فيلزم منه التغيّر في